بقي آدم متسمراً في مكانه، وعيناه متسعتان من الذهول، بينما كان يده ترتجف وهي تمسك بالمذكرات القديمة. الهواء في الردهة الطويلة أصبح ثقيلاً وبارداً بشكل مفاجئ، وجزيئات الغبار التي كانت تسبح في ضوء الشمس المتسلل من النافذة بدت وكأنها تتجمد في مكانها.
لقد كسر الزجاج. التروس النحاسية العملاقة أصبحت الآن مكشوفة تماماً، ورائحة زيت قديم وغريبة تفحت منها، رائحة لا تشبه أي شيء عرفه آدم من قبل.
نظر آدم مرة أخرى إلى الصفحة المفتوحة في يده، وإلى تلك الجملة التحذيرية التي كتبها جده بخط يده المرتجف:
"لا تسمح لها بالدوران مرة أخرى.. الوقت ليس مجرد أرقام، إنه سجن."
تردد صدى كلماته في عقله. هل كان جده يقصد حرفياً أن الوقت محبوس داخل هذه الآلة؟ أم أن الدوران هو ما يفتح باباً لا يمكن إغلاقه؟
بخطوة مترددة، اقترب آدم من التروس المكشوفة. مد يده ببطء نحو البندول الضخم الذي توقف عن الحركة منذ عقود. لم يكن هناك أي صوت سوى دقات قلبه المتسارعة التي بدا وكأنها تملأ المكان.
وبينما كانت أصابعه على وشك لمس المعدن البارد، حدث شيء مرعب.
تغير ضوء الشمس المتسلل من النافذة المقوسة فجأة. انحسر النور الذهبي ليحل محله ظلام دامس وسريع، وكأن الشمس قد أُطفئت في لحظة واحدة. لم يكن ظلاماً عادياً، بل كان سواداً كثيفاً يبتلع كل شيء، ولم يبقَ مضيئاً سوى قرص الساعة نفسه، الذي بدأ يتوهج بضوء فوسفوري أزرق باهت.
وفي تلك اللحظة، وسط السكون المطبق، بدأت التروس بالحركة.
تيك... تاك... تيك... تاك...
لم يكن الصوت صادراً من الساعة فحسب، بل بدا وكأنه ينبعث من الجدران، من الأرضية، ومن داخل رأس آدم نفسه. ومع كل دقة، كانت الصورة تهتز. الكتب على الرفوف بدت وكأنها تذوب وتتشكل من جديد بأشكال مختلفة، والممرات الطويلة تمددت وتقلصت بشكل غير طبيعي.
نظر آدم إلى التروس بفزع، ورأى شيئاً يتحرك داخل الآلية المعقدة. لم يكن جزءاً من الساعة؛ بل كان ظلاً أسوداً، هلامياً، ينساب بين التروس ويمنعها من التوقف. كانت هناك عيون صغيرة، متوهجة باللون الأحمر، تنظر إليه من بين النحاس والحديد.
أدرك آدم، وهو يشعر ببرودة شديدة تخترق جسده، أنه لم يكسر زجاجاً عادياً. لقد كسر حاجزاً بين عالمين، وبين زمنين. الكيان الذي كان جده يحبسه داخل "سجن الوقت" أصبح الآن حراً، والتروس كانت تدور لتقريب لحظة التلاقي.
حاول آدم التراجع، لكن قدميه لم تطاوعه. كان الظل يخرج ببطء من بين التروس المكسورة، متشكلاً في هيئة طويلة ونحيلة، ويد تمتد نحو آدم... يد مصنوعة من تروس مصغرة وعقارب حادة.
في تلك اللحظة، لم يكن أمام آدم سوى خيار واحد. ألقى المذكرات القديمة جانباً، وبكل قوته، التقط قطعة خشبية ثقيلة كانت ملقاة على الأرض، وضرب بها قلب الآلية المكشوفة.
تحطم!
تطايرت التروس النحاسية في كل مكان. انكسر البندول وسقط بقوة، محدثاً دويّاً هائلاً. توقف الكيان الظلي في مكانه، واهتز وكأنه يتألم، ثم بدأ يتلاشى ببطء وهو يطلق صرخة صامتة.
عاد ضوء الشمس المتسلل من النافذة تدريجياً، وعاد الممر إلى حالته الطبيعية. سقط آدم على ركبتيه، يلهث بشدة، بينما كانت قطع الساعة المحطمة تتناثر حوله.
نظر إلى ساعته اليدوية... كانت تشير إلى الثالثة ودقيقة واحدة. لقد نجح في إيقافها، ولكن الثمن كان باهظاً. الساعة العملاقة دُمرت تماماً، ولكن عندما نظر آدم إلى قرصها المحطم، رأى العقارب وقد اختفت، ولم يبقَ سوى نقش صغير على الخشب، مكتوب بآثار الحريق الذي خلفه التدمير:
"لقد كسرت السجن... ولكن الوقت لا يموت أبداً."
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire